الشيخ عبد الغني النابلسي

427

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

شوقا إليهم » يعني للمشتاقين إليه . وهو لقاء خاصّ . فإنّه صلى اللّه عليه وسلم قال في حديث الدّجّال إنّ أحدكم لن يرى ربّه حتّى يموت ؛ فلا بدّ من الشّوق لمن هذه صفته . وإنما حبب إليه صلى اللّه عليه وسلم النساء فحنّ ، أي شفق واشتاق إليهنّ لأنه ، أي ذلك الحنين من باب حنين الكل إلى جزئه ، كحنين النفس إلى نفسها فأبان ، أي أوضح وكشف صلى اللّه عليه وسلم بذلك الحنين المذكور عن الأمر الإلهي في نفسه من جانب الحق تعالى في قوله سبحانه في حق هذه النشأة ، أي الخلقة الإنسانية العنصرية ، أي المركبة من العناصر الأربعة فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : 29 ] فالروح مظهر معلوميته تعالى من نفسه لأنه تعالى عالم ومعلوم ، فمعلومه منه ظهر له بظهور ما يميزه عنه تعالى وهو الروح المنسوب إليه سبحانه كحوّاء عن آدم عليه السلام من قبل آدم ، وحوّاء عليها السلام كالروح الكلي والنفس الكلية والقلم الأعلى واللوح المحفوظ والعرش العظيم والكرسي والطبيعة الكلية والعناصر الأربعة والأركان والمواليد الأربعة . قال تعالى : وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الروم : 27 ] فهو تعالى علم نفسه فعلم العالم ، فهو العالم والمعلوم والشاهد والمشهود ، وكل ما عداه تعالى فهو مراتب عدمية تميز بين حضراته سبحانه والأمر في نفسه على ما هو عليه لم يتغير أصلا ، والكلام كله بحسب المراتب لا غير . ثم وصف تعالى نفسه بشدة الشوق إلى لقائه ، أي لقاء هذا الإنسان المنفوخ فيه من روحه تعالى فقال تعالى للمشتاقين إليه من عباده الصالحين فيما أوحى إلى داود عليه السلام كما ورد في الخبر عن نبينا صلى اللّه عليه وسلم : « يا داود إني أشد ، أي أكثر شوقا إليهم » « 1 » يعني للمشتاقين إليه تعالى من عباده وهو ، أي الشوق المذكور لقاء إلهي خاص غير اللقاء العام في حصول كل شيء عنده تعالى من غير غيبة أصلا وإن غاب بعض الأشياء عن حضوره مع اللّه تعالى فإنه سبحانه لا يغيب عنه شيء فإنه ، أي الشأن أو نبينا صلى اللّه عليه وسلم . قال في حديث خروج الدجال المشتمل على قصته إن أحدكم يا عباد اللّه المؤمنين لن يرى ربه تعالى حتى يموت بالموت الاضطراري أو الموت الاختياري .

--> ( 1 ) لفظه عند الديلمي : « يقول اللّه عز وجل طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إليهم أشد شوقا » عن أبي الدرداء ، حديث رقم ( 8067 ) [ 5 / 240 ] .